محمد علي الحسن
100
المنار في علوم القرآن
المبحث الثالث نزول القرآن على سبعة أحرف طالما شغل هذا الموضوع العلماء - قديما وحديثا - قال الطبري : إن الأقوال فيه فاقت الثلاثين قولا ، وأوصلها بعضهم إلى أربعين ونيف ، وكلها لم يخل من مقال ، وقد أشبع العلماء الأوائل هذه الأقوال نقدا وتفنيدا ، أذكر - على سبيل المثال لا الحصر - : الإمام الطبري في تفسيره جامع البيان ، وابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز ، والثعالبي في كتابه الجواهر ، وابن كثير ، والنيسابوري ، والقرطبي ، وخلائق لا يحصون ، كما عني به علماء القراءات كابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر ، وقد قال : إن هذا الموضوع قد شغله ما يزيد على ثلاثين عاما ونيف ، ثم قال : إن اللّه هداه إلى ما يمكن أن يكون صوابا ، ومع هذا التواضع العلمي لم يوفق للصواب . وفي عصرنا انساق كثير من العلماء وراء أقوال لا تخلو من ضعف ووهن ، وإن تابع بعضهم بعضا ، وهم - على جلالة قدرهم - مقلدون لمن سبقهم ، فقد استحسن الشيخ عبد العظيم الزرقاني رأي ابن قتيبة وابن الطيب أبي بكر الباقلاني والرازي ، ودافع عنه كثيرا وجاء من بعده متأثرا بهذا الرأي . ولكي نعطي هذا المبحث حقه من البيان يجدر بنا أن نسوق أولا الأحاديث الواردة في هذا الموضوع : 1 - عن عمر بن الخطاب يقول : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكدت أساروه في الصلاة ، فتصبّرت حتى سلّم ، فلبّبته بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال : أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقلت : كذبت ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقلت : إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على